امرأة على وشك الاحتضار


تسببت فى مرضى حد الإعياء وها أنا على مشارف الدخول لغرفة العمليات ليستأصلوا شئ ما من جسدى أتمنى لو كان هذا الشئ  قلبى عله لا ينبض باسمك ثانية أو لتكن ذاكرتى حتى أنساك سريعاً دون جهد ولكنى الآن وقبل أن يفعلوا بى شئ لا أدرى عاقبته كيف ستكون، أردتك أن تطرب لوجعى وتنتشى لألمى وتزف لسعادتك على قبرى.

 تذكر إنك من تسببت فى دفء المسافة بيننا وأنك من بدأت بالتحدث معى فى هذه النقطة فقد أحبتتك أعواماً عديدة فى صمت ودون أن تشعر بشئ فقد كان يسعدنى أن أكون فى محيطك وحسب حتى وإن لم يجمعنا سوى تبادل التهانى فى المناسبات، وبعد اعترافى الأهوج لم أطالبك بأى شئ ولا حتى أن تبادلنى نفس المشاعر.. 
فلماذا تلذذت بتعذيبى وبإهانتى وأنا لم أؤذيك يوماً؟.. لماذا كذبت علىَّ بأنك موجود من أجلى وبأنك بعد غيابك ستعود؟ لماذا أوهمتنى بأنك ممتلئاً بالشوق تجاهى وبأنك دائم التفكير فى ؟.
لماذا بعدما اخترتك أن تكون فى حياتى قائداً لفريق الفرسان اخترت أن تكون من ضمن فريق الخذلان؟.
 هل خشيت أن تتورط فىَّ!..
 أتمنى أن تجيبنى على أسئلتى الآن ولكنك كالعادة ستجيبنى بالصمت الرهيب ولهذا إذا ما وافتنى المنية الليلة وأنا بين أيدى الجراحين تذكر جيداً إنك مدين لى بالإجابة وبالاعتذار وإننى أبداً لن أغفر لك.. فقد كان دوائى فى يدك وبخلت أن تعطينى إياه وأنا أموت أمامك من شدة الألم..
معك تذوقت طعم الخذلان تجرعت مرارته على مهل حتى احترق حلقى..

يريدون أن أستعد الآن لتبديل ملابسى سريعاً فالأطباء فى انتظارى.
لولاك ما كانت تأتينى هذه الشجاعة لأسمح لأحد يعبث بجسدى ولو على سبيل العلاج ولكن بعدما عبثت بروحى فلم يعد شئ يهم.. فليفعلوا بى مايشائون وليقطعوا من جسدى ما أرادوا وليحضرهذا المشهد من يحضر.. صدقاً لا أكترث.
ماهذا الثوب الخفيف الذى يتوقعون منى ارتدائه – تنهيدة ألم صدرت منى بعد رؤيته-. توقعت العبث سيتم بعد تخديرى فلا أشعر بشئ ؛ هذا الثوب وحده كفيلاً بموتى حية.
الممرضة تأتى لتساعدنى فأرفض هذا وأدعوها أن تنتظرنى بالخارج وإذا ما انتهيت سأستدعيها.. تنظر لى بتعجب نافد الصبر وتتركنى.

أرأيت ما أعانيه بسببك.. لماذا لا تكون معى الآن لتساعدنى على تبديل ملابسى فمعك لا أجادل، فقط أسمع ما تريد وأنفذه دون نقاش، كان هذا سيسهل المهمة على نفسى كثيراً لماذا لم تكن أنت الطبيب الذى سيعالجنى فكنت وقتها سأهرع لغرفة العمليات.. لماذا لا أراك بين هذا الحشد الذى ينتظرنى- سأتقبل منك أى شئ حتى لو كنت صاحب المشرط الأول- لماذا لا تشاركهم وليمتهم  ..
– رغم قسوتك معى إلى إنى أشعر لو كنت هناك بالفعل ما طاوعك قلبك على مشاركتهم فى تقطيع جسدى أو حتى رؤيتهم يفعلون.. كنت وقتها ستتركنى لهم وتكتفى بترك اللعنة على ما أصابنى!!.
تباً لقلبى فمازال يأتى لك بالأعذار- .

أعتقد أن الأطباء فى أوج استعدادهم لاغتنام الفريسة مما ينعكس هذا على وجه الممرضة التى تأتى بدورها غاضبة ولكنها ترسم ابتسامة عصبية مصطنعة .. ارسم ابتسامة مشابهة وأخبرها بأن الطقس بارد وأطلب منها أن تشغل الدفاية حتى أستطيع ارتداء هذا الثوب.
تخبرنى بأن غرفة العمليات لا يوجد فيها دفاية والأفضل أن أظل فى هذا الجو حتى لا يتأثر جسدى.
أضحك متألمة وأسألها هل سيتأثر أكثر مما هو فيه الآن.
تشفق على حالى وتشغلها وتعرض خدماتها مجدداً فأسلم نفسى لها على استحياء.

أشعر الآن بأنى لم أعد فى هذا العالم لم يعد يعنينى شئ .. تسير بى على سرير متحرك فأغمض عينى حتى لا أرى أى شئ.. لا أريد رؤية الهلع فى أعين أسرتى ولا الشفقة فى أعين فريق التمريض ولا الحماس فى أعين الأطباء.

ماهذه الرائحة!! واضح أنى الآن داخل الغرفة بالفعل.
يتعجب الطبيب ويسأل: هى نايمة ولا حد خدرها قبل ما تيجى!.
لا ابتسم ولم تثيرنى مشاكستى لأرد عليه.
فقد كنت أناديك..
يحاولون عبثاً أن أتحدث معهم أو أن أفتح عينى ليعرفوا هل التخدير تم بالفعل أم ماذا!.
لم أفعل .. فقد كنت أكمل رسالتى لك..
أرانى الآن فى مكان فسيح مضئ أبحث عنك كالتائهة التى تبحث عن أبيها.. وها أنا آراك فى هذه الحديقة الشاسعة تعزف على هذا البيانو الذى يتوسط المساحة الخضراء بلونه الأبيض..لم أكن أعلم قدرتك على العزف.. هذا أيضا لن أغفره لك فأنا لم أعلم عنك أشياء كثيرة ولكنى الآن سأعلم عنك كل شئ فروحى ستحيط بك أينما حللت وستراك دائماً وإذا شعرت يوما بالغيرة سأثورعليك كريح عاصفة شديدة تطير بك وبها لأبعد المسافات وسأجعل لقائكما فقط من أجل أن يحاول كلا منكما الحفاظ على جاذبيته على الأرض .. أراها ستخشى الاقتراب منك بعد كل الأهوال التى سأفعلها فى حضورها.. دعنا من هذا الآن ولنستمتع بعزفك المنفرد.. أتمنى لو كنت ترانى الآن فأنا أتمايل على موسيقتك الجنائزية وأنثر عليك الورود .. آه لو يتم رسم هذا المشهد على يد رسام محترف أراه سيأخذ عليها جوائز عدة..أقترب منك علَّ شذى عطرى يثيرك فتنتبه لوجودى وتبحث عن طيفى.. مالى أراك حزينا مندمجاً فى العزف هكذا.. ترى هل تذكرنى الآن؟..
 فلأقوم بأول تجربة لى فى هذا العالم سأداعب أنفك بإصبعى ثم أذنك .. هل يجوز لى أن أضع قبلتى خلف عنقك أم أننى مازلت تحت طائلة أن هذا لا يصح.. حسناً ســـ …..

ماهذا هل يحاولون إفاقتى من التخدير الآن!!.. توقفوا يا سادة فأنا لا أريد الإفاقة والعودة لارتداء جسدى الفانى .. أنا هنا أستطيع الجلوس مع من أحب إلى الأبد ودون أن يتململ من وجودى أو يتسبب فى وجعى.. لماذا تريدون عودتى!.. ألم أترك لكم جسدى بإرادتى الحرة .. هل فرغتم منه وتريدون تسليمى إياه.. لا أريد العودة.. احترموا رغبتى رجاء ولا داع لهذا الأزيز المزعج على صدرى.. احترموا حيائى إذا ما فتحت عينى ووجدت نفسى عارية تحت أيديكم بحجة استخدام جهاز الصدمات..يا لعنادكم .. توقفوا عن هذا.. حسناً.. حسناً لا داع لأكثر من هذا فالوضع يزعجنى أكثر مايؤلمنى..
أريد أن أتفوه قائلة : نعم.. عايزين إيه!!.
أفتح عينى لأطمئنهم وأتأوه رغماً عنى .
يبتسم فى وجهى أحدهم قائلاً: حمدالله على السلامة.

– تمت-


17 Comments »

  1. لااعلم ماذا اقول لك يامنى لأول مرة أقرأ لك بوست بهذا ( المذاق ) المؤلمكأنى كنت مكانها ذات يوم😦 مااقسى ان يتخلى عنك حبيب وقت ضعفك ومااقسى ان ينهل من ابتسامتك مايريد ويختفى وقت دمعكوما اقسى غرفة العمليات🙂 اللعينة فيها الشفاء باذن الله لكن يجب ان تمرى على فيلم رعب قبلها سؤال حرت فيه جدا ( لانى زرت غرف العمليات كثيرا ) اين تذهب الروح وقت التخدير وبما اننا احيانا نشعر بكل شىء ونحن نيام فلماذ لانشعر باى شىء وقت التخدير ( سبحان الله ) وتحلق الروح فى مكان بعيد عن الجسد الفانى وعن الحياة المملة سلمت يمينك اختى الحبيبة تحياتى لك بحجم السماء

  2. عنوان رائع ووصف اروع لمدي المعاناه التي يمر بها من احب بصدق وشعر بالخذلان.. وسيظل الفراق والحنين معادله صعبه لايمكن ايجاد حلول لها تحيــاتي

  3. asmaa fathy Said:

    الله ايه الجمال دهبجد ممتاز سردك عشت القصة وكأني أراهاتشبيهاتك وما يعتليها من ألم تحفةأحسنتىتحيــــــــــاتيكانت هنا ورحلتAsmaa Fathy

  4. أنت يا موناليزا ترتدين ثوب الأنثى الذي تشائين وكيفما تشائين .. ومهما ارتديت فإنه يبدو كما لو أنه فصل وصنع لأجلك ..فأنت تحسنين النطق بلسانها والتعبير عن مكنون قلبها ومخزون عقلها وأحلامها وروحها .. وهذا لن يتأتى إلا من قلب كبير عالم بالناس وأحوالهم ..أشيد كثيراً جداً بما تسطرينه ..كل التحية الطيبة ..

  5. amiraali Said:

    بقالي كتير مقريتش كلام بالجمال ده كله..حسيت كأني معاكي كل كلمه فيه حقيقه مره..والتشبيهاات روعه… بكل ما فيه من الم ووجع ..بس تسلمي🙂

  6. عباراتك تصل إلى القلب قبل أن تقرأها العينبالرغم من أن الكلمات مؤلمة إلا أنني استمتعت بالقراءةتحياتي لإبداعك

  7. SHARKawi Said:

    في البداية كدة . الكلام دا جامد جدا . وايوة بالطريقة دي . كلام ما لوش حل . يتقرا مرة واتنين وتلاتة . احساس طازج كل ما تعيديه تلاقيه ليه نفس الطعم . اتمتعت جدا وانا بقرا كلماتك والاحساس الاكثر من رائع . وزي ما قالت استاذتي ليلى ( ان مذاق الكلمات المرة دي مختلف عن كل مرة ) انا عشت القصة كاملة بكل مشهد فيها . بكل همسة . بكل رعشة . بكل الضعف وكل القوة . بقلة الحيلة . بالانكسار والهذيان . بالحياه والموت . بالاحلام . الحب والمحبة . الفرقة والتلاقي . الامنية والتمني . حتى بالتناقض .كل شيء بالفعل في تلك القصة قصة . ولكي لا ازيد . ولتبقى عطر كلماتك تملأ جميع الأركان . في كل الأنحاء . اقدم لكي تشكراتي . كامل احترامي وتقديري . لكي مني دعواتي . تحياتي

  8. L.G. Said:

    لا يشعر بوجع الروح الا من جرحت روحه من قبل والتآمها جد صعب هي اقدار علينا ان نتعايش معها ونتم المسرحية حتى ينزل الستار حفظك الله من الأحزان يا منى سماح

  9. الأخت الغاليه / منى رووووووعهتحياتى لروحك الطيبه

  10. nour shahen Said:

    مش عايزه اقولك جميله ولا هايله .. علشان انتى عايزه الضرب اه معرفش جاى علي بالى كدا .. شر بقى .. لأنها وجعتنى قوى .. مكنتش مستعده ليها بس مكنتش اقدر افوتها .. تصوير اكتر من هايل بطريقه خلابه فعلا ..مش عارفه اقولك ايه .. هايله ومميته .. وعجبنى انها مماتتش كان ليا مليون تصور وانا بقرا اول جزء .. يمكن لقيت اسئله كتيره معرفتش اجاوب عليها .. بس فى المجمل هى روعه .. وبرضو انتى عايزه الضرب هههههههههههههه ايون .. الفن ينقل جمال واحاسيس .. بس المره دى وقع فوقى فعصنى ..معلش لو كترت النقط .. دا من فعل القرايه فى حالتى دى ..وكمان حسيت فيها فى بعض اللحظات بالحب والحنين والغضب كوكتيل ميصنعهوش غير فنان

  11. لماذا بعدما اخترتك أن تكون فى حياتى قائداً لفريق الفرسان اخترت أن تكون من ضمن فريق الخذلان؟أحيان يختار الانسان الطريق الأسهل الذى قد لا يكلفه تعب أو جهد لانه يرى من جهة اخرى ما لا يراه الاخرانت اخترت طريق العذاب و هو اختار طريق البعاد كلاهما صعب و كلاهما متعب بس لا احد منكما يدرك ذلكتحياتى و انا اول مرة اتابع المدونة متهيألى كده بس مش هتبقى الاخيرة

  12. من أجمل ما قرأت لكِ يا منى ..مؤلمة جدااا وتصويراتك قوية جدااا لدرجة أن إستشعرت نفسي معها لحظة بلحظةسلمت مشاعرك الراقية يا عزيزتي🙂

  13. مش عارفة ليه دمعت و لقيتني بتخيل نفسي مكانها حسيتها اوي و دخلت جوايا قدرتك رائعة على التعبير عن مكنون انثى عاشقة جريحة على وشك الاحتضار هو احتضار روحها قبل اي شئسلمت اناملك :)تحياتي

  14. رغيم إيلام الأحداث إلا ان انتقاء المترادفات جعلت من واحة الالألم فراديستحياتي

  15. re7ab.sale7 Said:

    لم أقرأ لك بوستا ا<مل من هذا وبالتأكيد لن أقرأ لانه مكتوب باحساسي عالي مؤلم شجيصعب أن يقرأه الشخص دون أن يفكر في أشياء مشابهة مرت بحياتهفالآلم يتشابه حتي وان اختلفت المسمياترائعة يا مني وصدقا لا أجد كلمات أكثر تصفها🙂

  16. هنا مونولوج، أو حديث النفس كما يقال له، وهو حديث شخصية القصة الذي شكل بناء النص، انطلاقا من سرد دقيق، شكل عالما داخلي محسوسا، وغير منفصل عن العالم المادي، إذ أن الإنطلاقة كانت من حدث ميعن مرئي… والجميل أن يطغى العالم المحسوس فتتمنى الشخصية أن تظل في هذا العالم ولا تُنتشل منه، باعتباره مكان وجدت فيه ضالتها.أحسنت أختي موناليزا، وتابعي، وارقي بالسرد درجة درجة.لكِ التحية

  17. قائداً لفريق الفرسان (فارسى الاوحد)فليفعلوا بي مايشاءون وليقطعوا من جسدي (فليفعلوا بي مايشاءوا وليقطعوا من جسدي )====جميل


{ RSS feed for comments on this post} · { TrackBack URI }

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: