>بحر الدماء

>


ترتدى السواد وتجلس فى السرادق لاستقبال المُعزيين لها فى فقد ابنتها الوحيدة التى كانت فى أوائل العشرينات من عمرها والغريب أنها كانت متماسكة للغاية ولم تذرف أى دمعة رغم ماتحاول إظهاره من إرتداء نظارة سوداء واستخدامها للمناديل الورقية ووضعها تارة على أنفها وتارة تمسح بها خدها.

وعادت بالذاكرة لأكثر من عشرين سنة لتتذكر كم كانت فتاة بارعة الجمال فارعة الطول صافية البشرة بيضاء اللون .
كل من يراها يُفتن بجمالها وكم تقرب منها أحدهم مراراً وتكراراً ولكنها فى كل مرة يتقدم فيها لخطبتها ترفضه. فهو أقل من مستواها الإجتماعى وكلما رفضته بشدة كلما زاد إصراراً على تمسكه بها وكم أحرجته كثيراً أمام أصدقائه بكلماتها التى تدل على احتقارها له.

وهنا قرر أن ينتقم لنفسه ويأخذها عنوة ليضع أنفها فى التراب وحينها ظهر شقيقها فجأة ولم يكن يدرى كيف يكيل إليه اللكمات ولم يتركه إلا بعدما أصبح فى يده جثة هامدة.. بشهادة الشهود ودفاعاً عن عرضه أخذ براءة.
لكن أهل القتيل لم يرضيهم هذا الحكم وفضيحة ابنهم فترصدوا لشقيقها وقتلوه.

حُزن العالم كله لم يكفيها ولعدم وجود أدلة وشهود قيدت القضية ضد مجهول ولكنها كانت تعلم جيداً من الفاعل فشقيق القتيل الأكبر هو من فعلها لايوجد غيره يمتلك تلك النزعة الإجرامية..
ظلت تراقبه فترات طويلة وبعد مرور سنوات توقع الجميع أن الأمر انتهى إلى هذا الحد ولكنها لم تنسى ولو ليوم واحد فقد كانت تستعد للإنتقام والأخذ بثأر شقيقها مهما طال الزمن.
وبالفعل اختارات اللحظة المناسبة طبقاً لمعرفتها به بعد مراقبته الطويلة وقادت سيارتها وانتظرت قدومه قرابة منزله.
كان الوقت عدى منتصف الليل – فهو دائم السهر- وحينما رأته يدخل الشارع نزلت من سيارتها زاعمة بأن فيها عُطل ولا تستطيع تحريكها. قائلة بصوت لا يسمعه سواه” حد يلحقنى العربية مش راضية تشتغل”.
لم يتبين ملامحها فى الظلام ولكنه اقترب منها فرائحة عطرها جذبته حتى ولو لم تنطق بشئ.
وحينما لمحته يقترب أدارت ظهرها إليه وكأنها تفحص بطارية السيارة وانتظرت حين دنا منها محنى رأسه جوارها ناظراً إلى بطارية العربية حتى غرست المطواة فى جانبه وحينها هوى على الأرض ساقطاً متأوهاً ولكنها لم تعطى له فرصة ليكمل تأوهاته فقد كانت تغرس المطواة ثم تخرجها لتغرسها فى مكان جديد فى جسده حتى جعلته كالغربال.
ثم فتشت جيوبه وأخذت محفظته وموبايله حتى تظهر بأنها حادثة سرقة وركبت السيارة وفرت بعد ما تأكدت من موته ومن طلوع روحه أمام ناظريها.

تركت البلد كلها ولم يعثر لها أحد على أثر فبعد موت شقيقها أصبحت غريبة الأطوار ولا أحد يهتم بها مثلما كان شقيقها يفعل فقد كان رجلها الوحيد وسندها فى مواجهة العالم وبعده لم تعد أبداً كما كانت.
وقررت أخيراً أن تتزوج لتنجب ولداً يكون لها عوناً وسنداً فى الحياة فالرجال من وجهة نظرها خائنين لايهمهم سوى تفريغ شهوتهم الحيوانية والزواج بالنسبة لها يعنى مجرد وسيلة شرعية للإنجاب.. وبالفعل بعدما حملت طلبت من زوجها الطلاق دون أن تخبره بحملها فقد أرادت الإكتفاء بجنينها دون تدخل من أحد.
وبعد الولادة اكتشفت بأن الجنين “بنتاً” وخاب أملها فى وجود ضهر لها يجعلها لاتخشى من ضربات البطن المتمثلة فى غدر الزمن والناس..
استسلمت للأمر الواقع وقررت أن تصنع من ابنتها سنداً قوياً فقد علمتها منذ الصغر فنون القتال والكاراتيه.. حاولت أن تغرس بداخلها أفكارها المريضة عن شهوانية الرجل وكأنه كائن جاء من الغزو المريخى وعليها الاحتراس والانتباه دائماً حتى لايفتك بها على حين غفلة منها.
– ولكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه .. وأبنائنا ليسوا مجرد جهاز كمبيوتر يخرجون لنا المعلومات التى قمنا بتخزينها عليه منذ سنوات.. فهم بشر ولا يوجد من يستطيع أن يتحكم فى تصرفات إنسان مهما كان-.

بعد مرور عشرون عاماًً أصبحت ابنتها الآن عروساً شابة.
اخبرت الابنة أمها بأنها تعرفت على شاباً زميلاً لها فى الجامعة وأنها تحبه وهو يحبها وبينهما علاقة وثيقة وترجو أن تتكلل بالزواج.
رغماً عن الأم سعدت بهذا فهى كأى أم تنتظر يوم زفاف ابنتها رغم كل شئ ويكفى ان ابنتها حقاً تهواه وصبرت نفسها قائلة :عريس ابنتى سيكون هو ابنى الذى لم أنجبه.. سيكون هو رجل البيت.. ولكن هل يستحق أن يكون رجل البيت حقاً.
تسائلت بداخلها وقررت ألا تصدر أى حكم عليه قبل أن تراه أولاً وتجلس معه.
سعدت الابنة بهذا فتصرف أمها غير متوقع بالنسبة لها.. وسرعان ما حددت ميعاد للمقابلة بينهما كان على أثره أن آتى الشاب وحده .. تحدثت الأم معه وطلبت منه أن يكتب ورقة عليها بياناته حتى تسأل عنه.. وافق على الفور فقد شعر بأن الأم من خلال كلامه معها مُرحبة به.
وحينما ناولها الورقة وقرأتها سريعاً سألته بعض الأسئلة لتتأكد من الخاطر التى آتى فى ذهنها فور القراءة وحينما أجابها ابتسمت ابتسامة متكلفة ثم انهت الزيارة على وعد بأن تخبره قرارها النهائى.
انصرف وهو فى غاية السعادة.
ولكنها كانت الفاجعة بالنسبة لها فقد كان ابن من قتل شقيقها والذى بدورها قتلته.
ودارات الأرض بها كيف أزوج ابنتى لابن قاتل شقيقى.. هذا لن يحدث أبداً فأمنيتى كانت ومازلت بأن تباد هذه العائلة وسلالتها من على وجه البسيطة.

صارحت ابنتها بالرفض ولكنها لم تبد أى سبب مقنع لابنتها سوى أنه شاب مستهتر وغير ناضج ولايستطيع تحمل مسئولية.. فكرت أن تخبرها بالحقيقة ولكنها خشت أن تصارح ابنتها الشاب فيشك فى أنها من قتلت أبيه ولكنها تراجعت عن الفكرة.
توقعت أن تقابل ابنتها هذا بالعِند ثم الغضب ثم الحزن وبعدها هتنسى.
ولكن هذا لن يحدث فقد سمعت ابنتها تتحدث هاتفياً مع حبيبها وتتفق معه على أنها ستتحدث مع أمها لتقنعها وإذا لم توافق فهى لم تترك لها سوى الهروب لتتزوجه وتضع أمها أمام الأمر الواقع.
صعد الدم يغلى فى رأس الأم .. هذه من تزوجت لأنجبها ..هذه من كتمت على أبيها وجودها فى الحياة حتى لا يأخذها منى أو يشاركنى فيها.. هذه من ربيتها وصنعتها بيدى لتكون إنسانة ذات شخصية قوية ولا يستطيع أحد أن يقهرها يوم ما تعلن تمردها وعصيانها يكون علىَّ أنا .. أمها!. هذا لن يحدث.
وانتظرت إلى أنهت ابنتها الاتصال وراحت فى سبات عميق .
ولم تدرى الأم بنفسها إلا وهى واضعة الوسادة الصغيرة على وجه ابنتها وهى نائمة فماتت .
ولتظهر الحادثة قدرية قامت بنقل ابنتها إلى المطبخ وألقتها على الأرض ثم فتحت أنبوبة الغاز ونزلت تتبضع من السوق كعادتها . وحينما عادت وجدت الجيران يخبروها بوجود رائحة غاز منبعثة من شقتها.. فهرولت لتفتح باب شقتها أمامهم مُِبدية قلقها وذعرها وجرت نحو المطبخ وهم وراءها وكان عدد الشهود يفى بالغرض.. وعدى الموضوع بسلام.
—————————-
أفاقت من شرودها على صوت تعرف جيداً يقول لها: البقاء لله يا طنط.
نظرت له فوجدته حبيب ابنتها فصافحته بحرارة قائلة وهى تتصنع البكاء: لو كنت اعرف أنها هتنتحر كنت وافقت على زواجكم.
جلس الشاب جوارها وانهمر فى البكاء غير مُصدق أن حبيبته قد انتحرت بالفعل.. فوجدها تربت على كتفه
قائلة: أنت من النهاردة هتحل مكانها عندى.. خلاص يابنى لم يعد لى سواك ويكفى أنها كانت بتحبك.

أبدى سروره وتعاطفه معها وأعطاها رقم موبايله لتتصل به فى أى وقت تريده ووعدها بأن يزورها يومياً ليلبى طلباتها.. شكرته بامتنان.
وما إن انصرف حتى لمعت فى عينيها نظرة جديدة من نظرات الانتقام ودارت أفكار عدة فى رأسها لكيفية قتله.

– تمت-.

8 Comments »

  1. هكذا هو الدم كالأمطار تبدأ بقطرة واحدة ثم لا يلبث أن يصبح سيلا لا يهدأ والأرواح التي تشوهها الذنوب مرة من الصعب ان تتوقف فالنفوس كالوحوش ان أطلقت عنانها مرة ستفترس كل البشرقصة جميلة موناليزا واسلوبك في منتهى الروعة تحياتي

  2. ياخرابى ياموناليزا ههههههالثورة اثرت عليك اوى كدهكل ده دم وأنتقام !!!!!!!!برغم حرارة الكلمات القاتلة المرعبة الا انى شعرت انى شاهد فيلم عربى . وكثيرا ما نجد هذه القصة تحدث فى بعض البلاد التى تتمسك بفكرة الثأر القبيحة شكرا لك اختى الحبيبة على مجهودك الواضح فى القصة التى استمتعنا بها معكلك ارق تحية وتقدير

  3. مسآأئك طأهَرحرف جميلواسلوب ايضا جميلدمتي بخير

  4. أختاهقلمكي ذهب بعيدا

  5. مش عارف اقول ايههي القصه اسلوبها الروائي جميل جداواسلوبك ايضا مشوقلكن الاحداث نفسها غريبه جدابعيدة تماما عن الواقعوتشبه ما نسميه لدينا بالافلام الهنديهذا عن القصهلكن يبقي ان لاسلوبك نكهته الخاصة

  6. EMA Said:

    فظيعة اوىتسلم ايدك و اسلوبكتحيتي

  7. مساء الورد هناك من قال أنك ذهبتي بعيداً وهناك من قال بأنني أشاهد فيلم هندي واستغرب لأن عالم الروايات والقصص القصيرة لا يخضع لواقعنا بل أحياناً ينحو نحو الخيال ورغم ذلك وجدت النص قريب من الواقعية لأن الإنتقام وشهوة الدم هو عبارة عن إدمان وهذا واضح وحتى لا نذهب بعيداً لننظر للصعيد حيث الثأر شرف ومن لا يثأر لدمه يعتبر قليل الرجولة أو معدومها برغم أننا في دولة قانون ورغم ذلك لم يستطع أحد أن يوقف حمامات الدم التي تنتج من الإنتقام لذلك نعم لن أستغرب أحداث القصة فالبنت لوت ذراع والدتها التي كرهت كل الرجال لأن سبب عذابها رجل هو الذي أفقدها أغلى رجل في حياتها ….بكل أمانة قصة جميلة ولم أمل قراءتها ..مميزة ومبدعة تحياتي وإحترامي

  8. مصطفى سيف الدينــــــــــــــــــأهلا بيك يادكتورأشكرك جداً لتعليقك المميز الذى افتقدته حقاًوسعيدة جداً برأيك فى القصة وفى أسلوبىيسعدنا دوام التواصل***********************************أم هريرةـــــــــأهلا بيكِ يا لولوالقصة دى قبل الثورة :)واضح إنى أنا اللى ميولى بقت دموية :)فيلم عربى يعنى عرفت أعبر كويس :)أشكرك جداً لتعليقك ولرأيكنورتينى حبيبتى وفى انتظارك دايما*******************************عازفة الألحانــــــــــــأهلا بيكِ حبيبتى فى زيارتك الأولىيسعد مساكِ :)أشكرك جداً لرأيك ولتعليقكنورتى مدونتى وفى انتظارك دايما********************************حمةــــــأهلا يك يافندم بعد طول غيابمش بعيد ولا حاجة بيحصل فى الواقع أكتر من كده :)أشكرك لتعليقكيسعدنا دوام التواصل********************************بيوتيفل مايندـــــــــــــــأهلا بيك يافندمأهم حاجة إن الاسلوب الروائى من وجهة نظرك جميل.. ده يهمنى أكتر على فكرة :)أشكرك جداً لرأيك ولتعليقكويسعدنا دوام التواصل********************************إيماــــــأهلا بيكِ يا إيماأشكرك جداً لرأيك ولتعليقكنورتينى حبيبتى وفى انتظارك دائماً*******************************ريبال بيهســـــــــــــأهلاً بيكِ ريبالمساء الفل يا حبيبتىكل يعبر عن رأيه ورؤيته الخاصة وماعلينا سوى احترام جميع الآراء :)أشكرك جدا لرأيك ولتعليقك الذى أسعدنى حقاًنورتينى وفى انتظارك دائماً


{ RSS feed for comments on this post} · { TrackBack URI }

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: